صديق الحسيني القنوجي البخاري
531
فتح البيان في مقاصد القرآن
أَ وَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ مستأنفة مسوقة لبيان إقامة الحجة على من أنكر البعث وللتعجيب من جهله ، فإن مشاهدة خلقهم في أنفسهم على هذه الصفة من البداية إلى النهاية مستلزمة للاعتراف بقدرة القادر الحكيم ، على ما هو دون ذلك من بعث الأجسام وردها ، كما كانت ، والإنسان المذكور في الآية المراد به جنس الإنسان كما في قوله : أَ وَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً [ مريم : 67 ] . ولا وجه لتخصيصه بإنسان معين ؛ كما قيل : إنه عبد اللّه بن أبيّ وإنه قيل له ذلك لما أنكر البعث . وقال الحسن : هو أمية بن خلف ، وقال سعيد بن جبير : هو العاص بن وائل السهمي ، وقال قتادة ومجاهد : هو أبيّ بن خلف الجمحي ، فإن أحد هؤلاء وإن كان سببا للنزول فمعنى الآية خطاب للإنسان من حيث هو ، لا إنسان معين ، ويدخل من كان سببا للنزول تحت جنس الإنسان دخولا أوليا . أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ قذرة خسيسة مدرة خارجة من الإحليل الذي هو قناة النجاسة ، والنطفة هي اليسير من الماء ، وقد تقدم تحقيق معناها . فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ هذه الجملة معطوفة على الجملة المنفية قبلها داخلة معها في حيز الإنكار ، المفهوم من الاستفهام ؛ وإذا هي الفجائية أي . أَ وَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ من أضعف الأشياء وأخسها وأمهنها ففاجأ خصومتنا في أمر قد قامت فيه عليه حجج اللّه وبراهينه ؛ وشهدت بصحته وتحققه مبدأ فطرته شهادة بينة . والمعنى : العجب من جهل هذا المخاصم - مع مهانة أصله ودناءة أوله - كيف يتصدى لمخاصمة الجبار ؟ ويبرز لمجادلته في إنكار البعث ؟ ولا يتفكر في بدء خلقه وأنه من نطفة قذرة وهو غاية المكابرة ، والخصيم الشديد الخصومة الكثير الجدال ، ومعنى المبين : المظهر لما يقوله الموضح له بقوة عارضته وطلاقة لسانه . قال ابن عباس : « جاء العاص بن وائل إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بعظم حائل ففتّه بيده فقال : يا محمد أيحيي اللّه هذا بعد ما أرى ؟ قال : نعم يبعث اللّه هذا ثم يميتك ثم يحييك ثم يدخلك نار جهنم فنزلت الآيات من آخر يس : أَ وَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ الخ » أخرجه ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم في معجمه . وعنه قال : جاء عبد اللّه بن أبيّ في يده عظم حائل إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم وذكر مثل ما تقدم . قال ابن كثير : وهذا منكر لأن السورة مكية وابن أبيّ إنما كان بالمدينة ، وعنه